أقوال الرجل تدل على عقله، وتكشف مستوى ثقافته، وتنضح منها أفكاره، ولأبي حنيفة أقوال كثيرة مأثورة تبدو من خلالها هذه الأشياء كلها.
أقــوال أبـي حـنـيـفــة
أقوال الرجل تدل على عقله، وتكشف مستوى ثقافته، وتنضح منها أفكاره، ولأبي حنيفة أقوال كثيرة مأثورة تبدو من خلالها هذه الأشياء كلها، فالإخلاص عنده يتعمق الإنسان ويشمله حتى يراه مطلوبا لباطن الإنسان وظاهره، فيقول: "التزين لله عز وجل أولى من التزين للناس"، وحين قال له أحد الناس اتق الله تأثر ورقَّ لهذه الكلمة وقال: "ما أحوج الناس في كل وقت إلى من يذكرهم الله تعالى وقت إعجابهم بما يظهر على ألسنتهم من العلم، حتى يريدوا الله تعالى بأعمالهم".
وعقيدة الإمام هي عقيدة أهل السنة، يقول في بعض قضايا العقيدة: "لا جبر ولا تفويض ولا تسلط، والله تعالى لا يكلف العباد بما لا يطيقون، ولا أراد منهم ما لا يعلمون، ولا رضي لهم بالخوض فيما ليس لهم به علم، والله أعلم بما نحن فيه والصواب الذي عنده ونحن مجتهدون، وكل مجتهد مصيب، إلا أنه لم يكلفهم الاجتهاد فيما ليس لهم به علم، الله ولي كل نجوى، وإليه رغبة كل راغب، وفقنا الله تعالى وإياك لما يحب ويرضى". "لا نكفر مسلمًا بذنب، وإن كان كبيرة، إذا لم يكن يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان".
وكان الإمام يتأدب في حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل التأدب، ويكره مخالفة سنته وطريقته، ويقول: "لعن الله من يخالف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به أكرمنا الله، وبه استنقذنا".
ويرى أن فائدة العلم هي أن يُعمَل به، يقول: "اعلم أن العلم تبَع للعمل، كما أن الأعضاء تبع للبصر، والعلم مع العمل اليسير أنفع من الجهل مع العمل الكثير".
ومن أقوال أبي حنيفة ما يبين أصول الاجتهاد عنده، وتوجهه في اختيار الدليل الشرعي على ما يعرض له من المسائل، فيقول: "إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول مَن شئت، ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم النخعي والشعبي والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن المسيب، فلي أن أجتهد كما اجتهدوا".
وتكشف بعض أقوال أبي حنيفة عن سماحته ووفائه وحفظه لجميل من أحسن إليه، فيقول مثلا: "اللهم مَن ضاق بنا صدره، فإن قلوبنا قد اتسعت له"، ويقول: "كل من قال فيَّ شيئًا من أهل الجهل فهو في حِلٍّ، وكل من قال في شيئًا من أهل العلم فهو في حرج، فإن غِيبة العلماء تكون شيئًا بعدهم"، ويقول عن شيخه حماد بن أبي سليمان: "ما صليتُ صلاة منذ مات حماد إلا استغفرتُ له مع والديَّ، وإني لأستغفر الله لمَن تعلمتُ منه علمًا أو علمته علمًا".
وللإمام أقوال رائعة خاصة بالمعلم والطريقة الأنسب لتعامله مع تلاميذه، فيوصي قائلا: "أقبل على متَفَقِّهتِك كأنَّك اتخذتَ كل واحدٍ منهم ابنًا وولدًا؛ لتزيدهم رغبة في العلم"، وجعل معرفة الآراء المختلفة في كل قضية من قضايا العلم أمرا بالغ الأهمية: "إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس".
ويقول لبعض تلاميذه عما ينبغي أن يكون عليه العالم: "وأكثر من ذِكْر الله تعالى فيما بين الناس ليتعلموا ذلك منك، واتخذ لنفسك وردًا خلف الصلوات تقرأ فيه القرآن، وتذكر الله تعالى وتشكره على ما أودعك من الصبر، وما أولاك من النعَم، واتخذ لنفسك أيامًا معدودة من كل شهر تصوم فيها ليقتدي غيرك بك في ذلك، ولا ترض لنفسك من العبادات بما ترضى به العامة".
وللسلطان نصيب كبير من أقوال أبي حنيفة المأثورة عنه، فهو يأمر باحترام الحق وإجلاله، ولو كان في مواجهة سلطان متمكِّن يقول: "لا تحتشم أحدًا عند ذكر الحق وإن كان سلطانا"، وقال: "كن من السلطان كما أنت من النار، تنتفع منها، وتتباعد عنها، ولا تدن منها، فإنك تحترق وتتأذَّى منها". ويقول لتلميذه أبي يوسف: "إذا ولاك السلطان عملاً مما يصلح فلا تقبل ذلك منه إلا بعد أن تعلم أنك لو لم تقبل لقبِلَه غيرك ويتضرر به الناس، وبعد أن تعلم أنه إنما يوليك ذلك لعلمك". ويقول: "لا تظهر من نفسك التقرب إلى السلاطين وإن قربوك، فإنهم يرفعون إليك الحوائج، فإن قمت بها أهانوك، وإن لم تقم بها عابوك".
ومن رائع ما أُثر عن أبي حنيفة قوله في عشرة الناس: "اعلم أنك متى أسأت عشرةَ الناس صاروا لك أعداء، ولو كانوا لك أمهات وآباء، وأنك متى أحسنت عشرة قوم ليسوا لك بأقرباء، صاروا لك أمهات وآباء". وقوله في اجتهاداته وفقهه: "قولنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا".
منقول عن برنامج الإئمة الأربعة من إنتاج شركة أر.دي.أي RDI